النبي محمد في التوراة والإنجيل- للباحث كريم عشماوي
لماذا غزة؟
غزة وعقدة إسرائيل الكبرى
إن مشروع إسرائيل الكبرى المعروف في الأروقة المتطرفة باسم إرتز يسرائيل هَشْلِيماه ليس فكرة هامشية، بل هو قلب العقيدة التي تحولت إلى سياسة دولة، مدعومة بنصوص توراتية محرفة وتفسيرات تلمودية تحتقر الآخر، ومُنفَّذة اليوم عبر أدوات ناعمة: التطبيع، الاقتصاد، الاستخبارات، إتفاقية إبراهام، والإبادة المباشرة حين يلزم الأمر.
غزة، بثباتها الروحي والديموغرافي، تقف كالصخرة التي تعيق تدفق هذا المشروع، فهي الأرض التي فشل يشوع بن نون في إخضاعها، والبقعة التي ترفض الاندماج أو التلاشي، وبالتالي يجب أن تُمحى لتكتمل الرؤية.
لنبدأ بالنصوص التي تحولت إلى سيف
في سفر التثنية، الفصل 20، الآيات 16-18:
"وَأَمَّا مُدُنُ هَؤُلَاءِ الشُّعُوبِ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلَهُكَ نَصِيبًا، فَلَا تَسْتَبْقِ مِنْهَا نَسَمَةً وَاحِدَةً، بَلْ تُحَرِّمُهَا تَحْرِيمًا: الْحِثِّيِّينَ وَالْأَمُورِيِّينَ وَالْكَنْعَانِيِّينَ وَالْفِرِزِّيِّينَ وَالْحِوِّيِّينَ وَالْيَبُوسِيِّينَ، كَمَا أَمَرَكَ الرَّبُّ إِلَهُكَ، لِئَلَّا يُعَلِّمُوكُمْ أَنْ تَعْمَلُوا مِثْلَ كُلِّ أَرْجَاسِهِمِ الَّتِي عَمِلُوهَا لِآلِهَتِهِمْ، فَتُخْطِئُوا إِلَى الرَّبِّ إِلَهِكُمْ".
هذا النص ليس تاريخياً فحسب، بل أصبح مرجعاً لتبرير الإبادة الشاملة، إذ يُفسر اليوم على أن الفلسطينيين ورثة "الكنعانيين"، فيجب إزالتهم لئلا "يدنسوا" الأرض المقدسة.
وفي سفر صموئيل الأول، الفصل 15، الآيات 2-3:
"هَكَذَا يَقُولُ رَبُّ الْجُنُودِ: إِنِّي قَدِ افْتَقَدْتُ مَا عَمِلَ عَمَالِيقُ بِإِسْرَائِيلَ حِينَ وَقَفَ لَهُ فِي الطَّرِيقِ عِنْدَ صُعُودِهِ مِنْ مِصْرَ. فَالْآنَ اذْهَبْ وَاضْرِبْ عَمَالِيقَ وَحَرِّمُوا كُلَّ مَا لَهُ وَلَا تَعْفُ عَنْهُمْ، بَلِ اقْتُلْ رَجُلًا وَامْرَأَةً، طِفْلًا وَرَضِيعًا، بَقَرًا وَغَنَمًا، جَمَلًا وَحِمَارًا".
قتل الرضع والنساء والأطفال ليس زلة، بل وصية إلهية في التفسير المتطرف
وهي تتكرر في سفر يشوع، الفصل 6، الآية 21:
"وَحَرَّمُوا كُلَّ مَا فِي الْمَدِينَةِ مِنْ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ، مِنْ طِفْلٍ وَشَيْخٍ، حَتَّى الْبَقَرَ وَالْغَنَمَ وَالْحَمِيرَ، بِحَدِّ السَّيْفِ".
هذه النصوص، في قراءتها الحرفية المتطرفة، تحولت إلى عقيدة سياسية، حيث يصبح الفلسطيني "عماليق" العصر، والإبادة ليست جريمة بل واجب ديني لتطهير الأرض.
أما التلمود فيضيف طبقة احتقار وجودي لكل من هو غير يهودي.
Traktat Yebamot 61a:
"الأمميون (الغوييم) ليسوا من بني آدم".
Baba Kamma 113a:
"إذا سرق الأممي من اليهودي يجب إرجاعه، أما إذا سرق اليهودي من الأممي فلا يجب إرجاعه".
هذه التفسيرات تجعل الآخر ليس إنساناً كاملاً، بل كائناً يجوز استغلاله أو إزالته، مما يفسر عدم الرحمة في قصف المستشفيات والمدارس والأحياء السكنية.
وفي سفر التثنية، الفصل 23، الآية 20: "لَا تُقْرِضْ أَخَاكَ بِرِبًا... أَمَّا أَخُوكَ الْأَجْنَبِيُّ فَتُقْرِضْهُ بِرِبًا".
هذا النص استخدم تاريخياً لتبرير الربا مع الآخرين، مما أدى إلى سيطرة اقتصادية، وطرد اليهود من عشرات الدول ليس لدينهم، بل لممارسات نخب اقتصادية تحت غطاء ديني.
في سفر يشوع، الفصل 13، الآيات 2-3، يُقال: "هذِهِ هِيَ الأَرْضُ الْبَاقِيَةُ: كُلُّ دَوَائِرِ الْفِلِسْطِينِيِّينَ وَكُلُّ الْجَشُورِيِّينَ.
مِنْ شِيحُورَ الَّذِي أَمَامَ مِصْرَ إِلَى تُخْمِ عَقْرُونَ شِمَالًا يُحْسَبُ لِلْكَنْعَانِيِّينَ ، خَمْسَةُ أَقْطَابِ الْفِلِسْطِينِيِّينَ: الْغَزِّيِّينَ وَالأَشْدُودِيِّينَ وَالأَشْقَلُونِيِّينَ وَالْجَتِّيِّينَ وَالْعَقْرُونِيِّينَ وَالْعَوِيِّينَ".
هذه "الأرض الباقية" ليست وعداً مجرداً ينتظر الإنجاز، بل هي اعتراف ضمني بعدم القدرة على السيطرة التامة، إذ تظل غزة رمزاً للمقاومة غير المنتهية.
وفي سفر القضاة، الفصل 1، الآية 19: "وَكَانَ الرَّبُّ مَعَ يَهُوذَا فَامْتَلَكُوا الْجَبَلَ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَطْرُدْ سُكَّانَ الْوَادِي لأَنَّ لَهُمْ مَرْكَبَاتِ حَدِيدٍ".
هذا النص يعكس فشلاً تاريخياً، لا نصراً كاملاً، حيث تظل غزة، كمدينة مواجهة، تجسد التحدي الدائم لأي محاولة للإخضاع.
هذه العقيدة تحولت إلى مشروع سياسي مع الصهيونية، التي ليست مجرد استعمار، بل امتداد لفكرة "تطهير الأرض" من سكانها الأصليين.
غزة هنا ليست مقاومة عسكرية فحسب، بل فضيحة أخلاقية: كل طفل يخرج من تحت الركام، كل أم تصرخ على رضيعها، يسأل العالم كيف وصل الإنسان إلى هذه القسوة؟
الإجابة في النصوص التي أعطت الضوء الأخضر للقتل بلا ذنب.
لكن المشروع تطور إلى مرحلة ناعمة بعد فشل الاحتلال المباشر.
اتفاقيات إبراهام (2020)
لم تكن سلاماً، بل بداية شبكة أمنية واستخباراتية تحول إسرائيل إلى "العقل المركزي" للشرق الأوسط.
تبادل استخباراتي مباشر، تدريب ضباط عرب في إسرائيل، استخدام برامج مثل Pegasus
وأقمار صناعية ترصد الحركات، ومدن ذكية تجمع بيانات نفسية وسلوكية – كل ذلك يجعل إسرائيل ليست جارة، بل جزءاً من البنية الأساسية الأمنية والاقتصادية.
الهدف: نقل مركز الأمن من واشنطن إلى تل أبيب، وإعادة رسم المنطقة حول "أرض إسرائيل الكاملة" من النيل إلى الفرات، ليس بالسلاح فقط، بل بالغاز، الموانئ، الممر الإبراهيمي (الهند-الخليج-إسرائيل-أوروبا)، والاستثمارات.
غزة تعيق هذا المشروع لأسباب متعددة:
- هي الأرض التي بقيت "خارج الوعد" تاريخياً، المتمردة التي لم يخضعها يشوع.
- ترفض "السلام مقابل المال"، فلا تطبيع ولا اندماج.
- تعطل خطوط الغاز والموانئ في المتوسط.
- تفشل فكرة "التسامح الإبراهيمي"، إذ تقول: لا دين بلا عدل، ولا تسامح بلا مقاومة.
لذلك، لم تكن أحداث 7 أكتوبر 2023 مفاجأة عشوائية، بل كميناً محكماً سُمح به ووقعت فى شباكه المقاومة ليصبح ذريعة للإبادة الشاملة، تمهيداً لإعادة إعمار غزة تحت سيطرة جديدة، وتصفية المقاومة كعقبة أخيرة أمام الممر الاقتصادي والتوسع الناعم.
الدمار ليس عشوائياً، بل تهيئة لأرض جديدة تخدم "إسرائيل الكبرى" عبر الاقتصاد والمراقبة، لا الاحتلال المباشر.
.........
غزة اقوى جذور صحيح دين النبي محمد ، الذي أرادوا اقتلاعه
في عمق التاريخ الإنساني، تقف غزة كرمز للثبات الأخلاقي الذي يتجاوز حدود الجغرافيا المادية، ليصبح نسقاً تربوياً متجذراً في جوهر الإنسانية.
إنها ليست مجرد مدينة محاصرة بالجدران والأسلاك الشائكة، بل هي تجسيد لمعنى يرفض التصنيف السطحي، يتغلغل في أعماق الوعي الديني والتاريخي.
حيث يبدأ الطفل رحلته الوجودية لا بتعلم أبجديات اللغة العادية، بل بترديد ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ (سورة الفاتحة: 2-7)
كأنما يُبنى هويته على أساس من التوحيد والعبودية للخالق، لا على أسس الاستهلاك المادي أو التبعية الثقافية.
هذا النسق التربوي، الذي يحفظ الروح من الدنس والتفسخ الأخلاقي، هو الذي يجعل غزة هدفاً لإبادة ممنهجة، ليس بسبب قوتها العسكرية، بل بسبب قدرتها على إنتاج إنسان يحمل قصة متوارثة، قصة تتحدى منطق السيطرة والإخضاع.
غزة، في سياقها التاريخي العميق، لم تكن يوماً مدينة تُعرف بالانفلات الأخلاقي أو التسليع الجسدي، بل هي حارسة لقيم دينية متأصلة، حيث يُصبح الدين نظاماً شاملاً للمعنى الوجودي. يقول الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا * وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (سورة الإسراء: 9-10).
هذا "الأقوم" ليس مجرد توجيه أخلاقي مجرد، بل هو بناء للحياة اليومية، ينزل إلى تفاصيل التربية العائلية والاجتماعية، حيث يحفظ الطفل سورة الفاتحة قبل أن يتقن نطق اسمه الشخصي.
عندما فُتحت غزة في العام 15 هجرياً، لم تدخلها الجيوش كغزاة يفرضون سلطة مادية فحسب، بل دخلها القرآن كمنهج وجودي شامل، يعيد تشكيل الإنسان من الداخل.
قال النبي محمد صلى الله عليه وسلم: "خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ" (رواه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل القرآن، باب خيركم من تعلم القرآن وعَلَّمه).
وغزة أخذت هذا الحديث كمنهج عملي، فأصبحت مدينة فقه ورباط روحي، لا مدينة ترف أو سلطان دنيوي.
من رحمها وُلد الإمام محمد بن إدريس الشافعي في العام 150 هجرياً، كما ورد في "سير أعلام النبلاء" للذهبي و"تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني، وهو ليس فقيهاً عابراً بل واضع أصول الفقه الذي يرفض تحريف النصوص أو تسييلها، قائلاً: "إذا صح الحديث فهو مذهبي".
مدينة تنتج مثل هذا العقل لا تنتج شعباً مفرغاً من المعنى الوجودي، بل تنتج إنساناً يحمل ذاكرة متجذرة، ذاكرة ترفض الاندماج في منظومة الاستهلاك والتبعية.
قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (سورة الأنعام: 162-163).
هذه الآية ليست حفظاً نظرياً، بل عيشاً يومياً، يحفظ الروح من الدنس ويجعل الدين حارساً داخلياً ضد الانهيار الأخلاقي.
إذا كانت غزة مدينة التربية الروحية المتجذرة، فإن الإبادة التي تواجهها ليست حرباً تقليدية تسعى إلى كسر القدرة العسكرية أو فرض شروط سياسية، بل هي محاولة لإنهاء الإمكان الإنساني نفسه، حيث يصبح الهدف الطفل الذي قد يحمل الوعي المستقبلي، والأم التي تنجب الذاكرة المتوارثة، والمدرسة التي تورث المعنى الديني.
غزة فضحت زيف القانون الدولي
في القانون الدولي، كما في اتفاقيات جنيف الأربعة (1949) وقرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة مثل القرار 2625 (1970) الذي يؤكد عدم جواز استخدام القوة للاحتلال، لا تملك القوة المحتلة حق الدفاع عن النفس ضد السكان تحت احتلالها.
ومع ذلك، أعاد الخطاب الإعلامي الغربي هندسة المفاهيم: الاحتلال يصبح "دولة شرعية"، الضحية "تهديداً محتملاً"، والمدني "درعاً بشرياً"، في إعادة صياغة أخلاقية تبرر القتل المنظم.
لماذا يُعتبر المدني في غزة خطراً وجودياً؟
لأنها تنتج هوية متوارثة، لا بشرية مجردة، حيث يُربى الطفل على القصة التاريخية والدينية، وعلى أن الأرض ليست مجرد تراب بل اسم مقدس، والدين ليس خياراً ثقافياً بل حقيقة جمعية.
في منطق السيطرة، من يحمل عقيدة يحمل خطراً مؤجلاً، فيُستهدف الطفل كمشروع وعي، والعائلة كوحدة توريث.
هذه الإبادة الديموغرافية ليست انفعالاً، بل علماً بارداً، إذ تُعد غزة من أعلى المناطق خصوبة واستمرارية سكانية، مما يجعلها خطراً لا يُحتوى بالهجرة أو الدمج، فتقليص السكان يصبح هدفاً غير معلن، يفسر تدمير الأحياء والبنى الصحية وقتل العائلات دفعة واحدة.
من العقوبة الجماعية إلى الكسر النفسي العميق
في الحروب التقليدية تُستهدف الجيوش، أما في غزة فتُستهدف القدرة على الحزن الفردي، فحين تُمحى عائلة كاملة، لا يبقى من يروي أو يطالب أو يذكر.
هذه السياسة، المعروفة تاريخياً بـ"الصدمة الجمعية القصوى"، استخدمتها قوى استعمارية لكسر الشعوب، كما في تجارب الاستعمار الأوروبي في أفريقيا وأمريكا، لكن غزة لم تنكسر، بل كثفت معناها.
اتفاقية إبراهام (2020) شكلت السياق الذي سمح بهذه الإبادة، إذ أخرجت فلسطين من مركز الصراع، وصنفتها كمشكلة "محلية"، وأعادت تعريف إسرائيل كـ"شريك استقرار"، في صفقة بلا ضمير دولي، حيث يصبح الإبادة نتيجة منطقية لصفقة اقتصادية وسياسية.
في الفكر الصهيوني الديني، الأرض ليست سياسة بل تنفيذ وعد إلهي، وغزة خارج هذا الوعد، لا يمكن تهويدها أو دمجها، فالحل هو الإزالة.
ومع ذلك، فشلت الإبادة حتى الآن، لأنها تفترض أن الإنسان يستسلم عند تجريده من كل شيء، بينما غزة خالفت هذا، فالجوع لم ينتج خنوعاً، والفقد لم ينتج نسياناً، والموت لم ينتج كراهية عمياء بل معنى أعمق.
كل شهيد يكثف القصة، تحول غزة إلى أرشيف دم، حيث كل شارع يحمل أسماء، وكل قبر سؤالاً وجودياً.
غزة فضحت ازدواجية القانون الدولي وزيف الأخلاق السياسية، تقول بوجودها أن القوة لا تصنع الحق، والسلاح لا يمحو المعنى.
إنها لم تُباد لمقاومتها فحسب، بل لتربيتها الإنسان قبل أن يصبح مقاتلاً، والمعنى قبل أن يصبح شعاراً.
غزة شاهد على العصر، مدينة ترفض إعادة تعريف نفسها، في صراع بين عالم يريد إنساناً بلا ذاكرة، ومدينة تصر أن الإنسان قصة قبل أن يكون رقماً.
وهي، حتى الآن، ما زالت تروي.
.............
غزة في خارطة النبوة والوعد الرباني من الخذلان إلى النصر المحتوم
ليست غزة مجرد مدينة تُباد بالصواريخ والقنابل، بل هي مسرح اصطفاء إلهي، اختارها الله لتكون عنوان الشهادة في آخر الزمان، ومدرسة الصبر التي تُعلّم الأمة دروس الثبات والمعنى.
إن ما يجري فيها اليوم ليس مصادفة تاريخية، بل تحقيق لنصوص نبوية وآيات قرآنية تنير الدرب للصابرين، وتبشر بوعد رباني لا ي تخلف، وعد يقول إن الظلم مهما طال فإنه إلى زوال، وإن النصر للمؤمنين وإن طال الابتلاء.
قبل أن تُقسم فلسطين سنة 1948، كانت غزة تُعتبر جزءاً من عسقلان الكبرى جغرافياً وروحياً، وهذا المزج يعطي ثقلاً عميقاً للأحاديث النبوية التي وردت في عسقلان، فهي تنطبق على غزة واقعياً ومعنوياً.
روى الطبراني في المعجم الكبير، والحاكم في المستدرك، والدارقطني، عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله:
"عَسْقَلَانُ أَحَدُ الْعَرُوسَيْنِ، يُبْعَثُ مِنْهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ سَبْعُونَ أَلْفًا لَا حِسَابَ عَلَيْهِمْ وَلَا عَذَابَ، وَيُبْعَثُ مِنْهَا خَمْسُونَ أَلْفَ شَهِيدٍ وَفْدًا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَبِهَا صُفُوفُ الشُّهَدَاءِ رُؤُوسُهُمْ مَقْطُوعَةٌ فِي أَيْدِيهِمْ تَثْجُّ أَوْدَاجُهُمْ دَمًا، فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا آتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ، فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: صَدَقَ عِبَادِي، اغْسِلُوهُمْ بِنَهْرِ الْبَيْضِ، فَيَخْرُجُونَ مِنْهُ أَنْقَى مِنَ الثَّلْجِ وَأَبْيَضَ مِنَ اللَّبَنِ، فَيَسْرَحُونَ فِي الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءُوا".
رغم أن بعض العلماء ضعفوا إسناد هذا الحديث، إلا أن تحقق معناه في الواقع اليوم يُقيم الحجة، فأبناء غزة الذين تتناثر أجسادهم تحت الركام، وتُقطع رؤوسهم وأطرافهم، هم هؤلاء الوفد إلى الله، لا حساب عليهم ولا عذاب، بل يُغسلون في نهر البيض ويسرحون في الجنة.
وروى الدارقطني أيضاً:
"مَقْبَرَةٌ بِأَرْضِ الْعَدُوِّ يُقَالُ لَهَا عَسْقَلَانُ، يَفْتَتِحُهَا نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي، يَبْعَثُ اللَّهُ مِنْهَا سَبْعِينَ أَلْفَ شَهِيدٍ يَشْفَعُ الرَّجُلُ مِنْهُمْ فِي سَبْعِينَ أَلْفًا، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَرُوسٌ، وَعَرُوسُ الْجَنَّةِ عَسْقَلَانُ".
هذا شرف لا يُضاهى: أن يشفع شهيد من غزة في أمة بأكملها، في مثل ربيعة ومضر.
ليسوا ضحايا يُبكى عليهم فحسب، بل شفعاء يوم القيامة، عرس الجنة التي بشّر بها النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال عليه الصلاة والسلام: "خَيْرُ الرِّبَاطِ رِبَاطُ عَسْقَلَانَ"، وروى سعيد بن منصور عن عوف بن مالك رضي الله عنه أنه قال: "أوصني يا رسول الله"، قال: "عليك بجبل الخمر"، قال: "وما جبل الخمر؟" قال: "أرض المحشر والمنشر".
وغزة تقع على تخوم أرض المحشر، حيث يكون أول البعث وأول النشر، فهي أرض الاصطفاء الأخير، ميدان الرباط العظيم الذي يُضاعف فيه الأجر، ويُرفع فيه الدرجات.
إن ما نشهده اليوم هو تحقق لقول الله تعالى في سورة الإسراء، الآيات 4-8:
﴿وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا * فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا * ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا * إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا * عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾.
كثير من المفسرين المعاصرين يرون أننا في مرحلة الإفساد الثاني والعلو الكبير، حيث تمكّن بنو إسرائيل من الأرض بقوة عسكرية ودعم دولي غير مسبوق، وأظهروا فساداً لم يُظهره أحد من قبل، بدعم من قوى عالمية تمثل "هرقل العصر".
لكن هذا العلو ليس نصراً أبدياً، بل هو ذروة الطغيان التي تسبق الهلاك، فحين يبلغ الظلم مداه، يأتي الوعد الإلهي بالتتبير والإذلال.
وفي أحاديث آخر الزمان، اقترن النصر بشرطين: ظهور فسطاطين – إيمان صادق ونفاق عاري – وخذلان عظيم من القريب قبل الغريب.
قال النبي صلى الله عليه وسلم:
"لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ وَلَا مَنْ خَالَفَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيْنَ هُمْ؟ قَالَ: "بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَأَكْنَافِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ" (رواه أحمد وغيره).
رأينا كيف تكالبت الأمم، وسكت كثير من الأشقاء، وارتبك العالم الإسلامي، لكن هذا الخذلان ليس هزيمة، بل علامة على قرب النصر، فلا نصر بلا غربلة، ولا تمكين بلا تمحيص.
إن غزة اليوم هي تلك الطائفة الظاهرة على الحق، لا يضرها من خذلها، بل تزداد قوة معنوية كلما ازداد الابتلاء.
يا أهل غزة، أنتم عروس الجنة كما سماكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنتم الصابرون الذين تُغسل دماؤكم في نهر البيض، وتسرح أرواحكم في الجنة حيث شئتم.
لا تظنوا أن تضحياتكم تذهب سدى، فأنتم تصنعون ميزان الحق في آخر الزمان، وتشفعون في الأمة يوم القيامة. دماؤكم منارة تضيء الطريق للأمة، وصبركم مدرسة تُعلّم الأجيال معنى الثبات.
والوعد الرباني خاتمة القول: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (سورة الروم: 47).
فاثبتوا يا أهل غزة، وثبتوا قلوبنا معكم، فأنتم أيقونة النور في زمن الظلمة، وعنوان الطهر في زمن التدنيس.
النصر ليس أمنية، بل وعد إلهي لا يُخلف، وغزة ليست نهاية القصة، بل بداية فصل النصر الذي سيُكتب بدماء الشهداء وصبر الصابرين.
وإن طال الليل، فالفجر آتٍ لا محالة.
✦✦✦
كتاب مثل نوره
https://sites.google.com/view/kareemashmawy/home
موقع قرآن الكريم
https://quran-elkareem.netlify.app/
© 2025 كريم عشماوي – جميع الحقوق محفوظة
Karim_ashmawy@hotmail.com