المصري مؤمن آل فرعون - كريم عشماوي

المصري الذي خلدت كلماته فى القرآن

مؤمن آل فرعون

من أكتر الجُمل الجاهزة اللي بتتقال، وكأنها ختم على الجبين

"إنتوا أصلًا بلد فرعون".


تتقال بثقة، وبنبرة اتهام، وكأن التاريخ كله اتلخص في اسم واحد، وطاغية واحد، وكأن مصر ما أنجبتش غيره.


لكن اللي بيعاير، غالبًا ما فتحش المصحف عند سورة غافر، وما وقفش قدّام مشهد مهيب، الله سبحانه وتعالى بنفسه قرر يخلّده:

خطبة رجل مصري مؤمن، من داخل قصر فرعون، خطاب طويل، متدرج، عاقل، محفوظ في القرآن أكتر من صفحتين، يُتلى إلى قيام الساعة.


الرجل ده هو: مؤمن آل فرعون.


حتى موسى… كان يخشى 

وهنا لازم نقف وقفة صادقة.

نبي الله موسى عليه السلام — وهو رسول، ومؤيَّد بالوحي — كان يخشى فرعون.


مش خوف الجبن،

لكن خوف الإنسان اللي عارف حجم البطش،

وعارف إن اللي قدامه طاغية بيقتل بلا حساب.


عشان كده، موسى قال بوضوح:

"رب إني أخاف أن يكذبون" "ويضيق صدري ولا ينطلق لساني" 


وطلب دعمًا بشريًا:

"واجعل لي وزيرًا من أهلي… هارون أخي"


طلب أخوه،

طلب السند،

طلب اللي يطمن قلبه.


والجميل؟

إن الله وافق.

مش بس وافق،

ده طمّنه تطمينًا عظيمًا:

"قال لا تخافا إني معكما أسمع وأرى"


يعني: أنا معاكم

شايف

وسامع

ومسيطر

................

لكن القصة ما وقفتش هنا.

الله وهو القادر على أن يهلك فرعون في لحظة

 اختار طريقًا أعجب:

إنه كان مجهّز جنديًا من جنود فرعون نفسه

رجلًا من داخل المنظومة

من قلب القصر

من صفوف العدو


مؤمن آل فرعون

كان موجودًا قبل المواجهة

قبل العصا ، قبل البحر ، قبل الغرق


جندي إيمان،

مخبأ بعناية،

هيطلع في اللحظة المناسبة.

............

مشهد من جوه القصر… مش من برّه 

الناس متعودة إن المقاومة تبقى من الخارج:

ثائر، هارب، مطارد.


لكن المشهد القرآني مختلف:

نحن داخل القصر.

داخل مجلس الحكم.

حيث الكلمة تساوي حياة أو موت.


وفجأة…

يتكلم رجل من آل فرعون.

لا يصرخ.

لا يتحدى بعشوائية.

لا يرفع صوته.


يتكلم…

فيصمت الجميع.

خطبة عقل… مش اندفاع 

كلامه مش عاطفي،

كلامه مدروس،

كأنه عارف إن الكلمة هنا لو زلّت، الرأس تطير.


يبدأ بمنطق بسيط:

 "أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله؟

 يستدعي التاريخ: نوح، عاد، ثمود

 يختم بتفويض كامل: 

"وأفوض أمري إلى الله" 


ده مش كلام واحد ضعيف.

ده كلام واحد مُحكم الإيمان، ثابت القلب، ذكي اللسان.

..........

حتى فرعون… اللي كان بيقتل، سكت 

وهنا الصدمة.

فرعون — اللي:

كان بيذبح الأطفال وبيستعبد شعب كامل وبيقول: "ما علمت لكم من إله غيري" 


ما قدرش:

يسكته ولا يعاقبه ولا حتى يقاطعه 


ليه؟

لأن الطغيان بيخاف من الكلمة

بيخاف من العقل

بيخاف من الإيمان الهادي اللي ما بيدّيش له مبرر للبطش.

..........

ولما خلص المؤمن كلامه،

ما سمعناش رد حُجّة بحُجّة.


سمعنا هروب:

"يا هامان ابنِ لي صرحًا…"


يعني: لما الحُجّة خلصت

طلع الصرح

ولما العقل غلب

ظهر الاستعراض


وده سلوك أي مستبد:

لما يخسر المعنى ، يعلي البنيان

 لما يُهزم بالكلمة يلف ويدور 


ليه الرجل ده ما اتعاقبش؟

لأنه كان مؤمنًا قويًا.


مش قوي بالسلاح،

لكن قوي بـ:

إيمان ثابت عقل راجح توقيت حكيم شجاعة محسوبة 


وهنا نفهم الحديث:

"المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف"


القوة مش دايمًا في القبضة،

أحيانًا في الكلمة اللي تتقال صح،

في الوقت الصح،

قدّام الشخص الصح.

...........

مصر… مش اختصار فرعون 

نعم، كان في فرعون.

لكن كان في مؤمن آل فرعون.


وكان في موسى

وكان في هارون

وكان في إله قال:

 "إني معكما أسمع وأرى"


فلو حد حب يختصر مصر في طاغية،

يبقى ما قراش قرآن،

ولا فهم تاريخ.


لأن الأرض اللي شالت فرعون،

هي نفسها اللي خرج منها رجل

وقف في وشه،

وسابه يتوه في الصروح،

وخلّد الله كلمته.


والتاريخ زي القرآن 

ما بيخلّدش الجبابرة

بيخلّد أصحاب المواقف.

✦✦✦

كتاب مثل نوره 

https://sites.google.com/view/kareemashmawy/home

موقع قرآن الكريم 

https://quran-elkareem.netlify.app/

© 2025 كريم عشماوي – جميع الحقوق محفوظة

Karim_ashmawy@hotmail.com