أسرار سورة المرسلات - كريم عشماوي
أسرار المرسلات
من الذرة إلى المجرة...
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾
حين يقرأ معظم الناس مطلع سورة المرسلات، يتجه الذهن مباشرة إلى ما ذكره المفسرون من أنها تتحدث عن الملائكة، أو الرياح، أو كليهما. وهذا هو التفسير المعتبر الذي لا يُزاحم.
لكن يبقى باب التدبر مفتوحًا. فالقرآن كتاب يخاطب الإنسان في كل عصر، ويعرض أنماطًا كونية تتكرر أمام عينيه كلما اتسعت معارفه.
ولو تأملنا ترتيب هذه الآيات، سنجد أنها لا تعرض ألفاظًا متفرقة، بل تصف سلسلة عمليات متتابعة:
إرسال... ثم حركة عنيفة... ثم انتشار... ثم فرز... ثم نقل معلومة... ثم ظهور النتيجة.
والأعجب أن هذا النمط نفسه أصبح اليوم من أشهر المفاهيم في علم الأنظمة المعقدة، فيما يعرف باسم التنظيم الذاتي (Self-Organization).
ما هو التنظيم الذاتي؟
التنظيم الذاتي هو أحد أهم المفاهيم في الفيزياء والكيمياء والأحياء وعلوم الأعصاب.
ومعناه ببساطة:
أن النظام يبدأ بعناصر بسيطة للغاية، ثم تتفاعل وفق قوانين محددة، ومن داخل هذه التفاعلات يظهر ترتيب معقد دون وجود من يوجه كل جزء بصورة منفصلة.
فبلورات الثلج تنظم نفسها.
والخلية تنظم نفسها.
والدماغ ينظم نفسه.
والمجرات تتكون وفق قوانين تؤدي إلى ظهور بنى منتظمة.
وليس المقصود أن هذه الأنظمة تعمل مستقلة عن خالقها، بل إن القوانين التي أودعها الله في الكون هي التي تجعل هذا التنظيم الذاتي ممكنًا.
فالنظام ليس بديلًا عن الخالق، وإنما هو من آثار سننه في الخلق.
هل تشبه خطوات التنظيم الذاتي ترتيب الآيات؟
إذا نظرنا إلى مراحل التنظيم الذاتي في العلوم الحديثة نجدها قريبة من هذا التسلسل:
مصدر ثم طاقة ثم انتشار ثم تنظيم ثم معلومات ثم نتيجة.
والقرآن يقول:
المرسلات... العاصفات... الناشرات... الفارقات... الملقيات... عذرًا أو نذرًا.
وليس الهدف إثبات تطابق حرفي، وإنما ملاحظة أن الترتيب الوظيفي متقارب بصورة لافتة.
--------------
المرحلة الأولى: المرسلات... بداية كل شيء
لا يوجد نظام يبدأ بلا بداية.
كل شيء يبدأ بإرسال.
إرسال طاقة.
إرسال جسيمات.
إرسال موجة.
إرسال أمر.
إرسال معلومة.
حتى في جسم الإنسان، تبدأ الحركة بإشارة عصبية.
وفي الخلية تبدأ العملية بإشارة كيميائية.
وفي الكون يبدأ كل تغير بانطلاق شيء من شيء آخر.
ولهذا جاءت البداية:
﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾
وكأنها تصف لحظة الانطلاق الأولى.
---------------
المرحلة الثانية: العاصفات... طاقة التغيير
بعد البداية لا بد من الحركة.
لكن ليست أي حركة.
بل حركة قوية قادرة على إحداث تغيير.
العواصف في الأرض تعيد توزيع الحرارة والرطوبة.
والعواصف الشمسية تعيد تشكيل المجال المغناطيسي.
والتفاعلات النووية داخل النجوم هي عواصف هائلة من الطاقة.
بل وحتى داخل الذرة توجد قوى هائلة تحفظ بنيتها.
ولهذا يأتي التعبير:
﴿فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا﴾
فالطاقة هي الوقود الذي يحول الإمكان إلى واقع.
------------------
المرحلة الثالثة: الناشرات... اتساع الأثر
بعد الحركة يأتي الانتشار.
فالحرارة تنتشر.
والضوء ينتشر.
والروائح تنتشر.
والأمواج تنتشر.
والجينات تنتشر عبر الأجيال.
وحتى الأفكار تنتشر بين البشر.
فالكون لا يحتفظ بالطاقة في مكان واحد، وإنما ينشر آثارها في كل اتجاه.
ولهذا جاءت:
﴿وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا﴾
----------------
المرحلة الرابعة: الفارقات... ولادة النظام
هنا تحدث المعجزة.
فليس كل انتشار يولد نظامًا.
لابد من مرحلة فرز.
فصل.
تمييز.
اختيار.
الإلكترونات تشغل مستويات طاقة محددة.
والخلايا تتخصص.
والدماغ يميز بين الأصوات.
وجهاز المناعة يفرق بين خلايا الجسم والميكروبات.
والنجوم تصنع عناصر مختلفة بحسب كتلتها.
ومن هنا يصبح الكون أكثر تنظيمًا مع كل خطوة.
ولهذا جاء التعبير المدهش:
﴿فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا﴾
وكأن النظام لا يولد إلا بعد عملية تمييز دقيقة.
------------------
المرحلة الخامسة: الملقيات ذكرًا... انتقال المعلومات
هنا نصل إلى أكثر مرحلة تثير التأمل.
فالعلم الحديث اكتشف أن الكون ليس مادة وطاقة فقط.
بل معلومات أيضًا.
فالـDNA عبارة عن معلومات.
والشيفرة الوراثية معلومات.
والضوء يحمل معلومات.
والإشارات العصبية معلومات.
والطيف الضوئي يخبرنا بتركيب النجوم.
وموجات الجاذبية تحمل معلومات عن اصطدام الثقوب السوداء.
وكأن كل شيء في الكون يلقي "ذكرًا"، أي أثرًا أو معلومة يمكن قراءتها وفهمها.
ولا شك أن المعنى الأول في الآية هو إلقاء الملائكة للوحي، لكن التأمل في عالم الخلق يكشف أن المعلومات نفسها أصبحت عنصرًا أساسيًا في بناء الكون كما نعرفه.
--------------
المرحلة السادسة: عذرًا أو نذرًا... ظهور النتيجة
بعد انتقال المعلومات لا يبقى إلا القرار.
فالخلية تستجيب.
والدماغ يتخذ قرارًا.
وجهاز المناعة يهاجم أو يتراجع.
والنبات ينمو أو يذبل.
والإنسان يقبل أو يرفض.
فكل نظام ينتهي باستجابة.
ولهذا تختم الآيات:
﴿عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾
أي أن لكل رسالة غاية، ولكل نظام نتيجة، ولكل معلومة أثرًا.
وهكذا يتبين أن الآيات الست ليست مجرد ألفاظ متجاورة، بل تعرض تسلسلًا حركيًا متكاملًا يمكن أن يراه المتدبر في صور متعددة من عالم الخلق.
-------------------
ثانيا .. تفصيل رحلة النمط الواحد عبر الكون كله
لو وقف عالم فيزياء بجوار عالم أحياء، ثم جاء إليهما عالم أعصاب، فسيتحدث كل واحد منهم بلغة مختلفة تمامًا.
الأول يتحدث عن المجرات.
والثاني يتحدث عن الخلايا.
والثالث يتحدث عن الدماغ.
لكن المفاجأة أن جميعهم يصفون، في النهاية، أنظمة تمر بمراحل متشابهة.
ففي كل مرة نجد:
بداية... طاقة... انتشار... تنظيم... معلومات... ثم نتيجة.
وهنا تبدأ الرحلة.
---------------
أولًا... الانفجار العظيم
تشير النماذج الكونية الحالية إلى أن الكون بدأ من حالة شديدة الكثافة والحرارة، ثم بدأ يتمدد بسرعة هائلة.
كانت تلك بداية كل شيء نعرفه من مادة وطاقة وزمان ومكان.
وكأن المشهد يبدأ بـ:
﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾
إرسال المادة والطاقة في بداية الكون.
ثم:
﴿فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا﴾
العنف الهائل الذي صاحب المراحل الأولى من تاريخ الكون، حيث كانت الجسيمات تتصادم باستمرار، وكانت درجات الحرارة لا يمكن للعقل تصورها.
ثم:
﴿وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا﴾
بدأ الكون يتمدد.
وانتشرت المادة.
وانتشرت الطاقة.
وانتشرت الفوتونات في كل الاتجاهات.
ثم:
﴿فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا﴾
انفصلت القوى الأساسية.
وتكونت البروتونات.
ثم الذرات.
ثم السحب الكونية.
ثم المجرات.
ثم:
﴿فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا﴾
ولا يزال الضوء القادم من بدايات الكون يحمل إلينا معلومات عن تلك المرحلة المبكرة، مثل إشعاع الخلفية الكونية الذي يدرسه العلماء لاستنتاج تاريخ الكون.
وأخيرًا: النتيجة
﴿عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾
ظهرت النجوم والكواكب، وأصبحت الظروف مهيأة لظهور الحياة.
---------------
ثانيًا... المادة المظلمة
رغم أننا لا نراها مباشرة، فإن آثارها الجاذبية تظهر في حركة المجرات وعدسات الجاذبية.
وكأنها ترسل تأثيرها دون أن تُرى.
وتشارك في تنظيم توزيع المادة المرئية.
ليصبح الكون أكثر استقرارًا.
إنها مثال على أن ما لا نراه قد يكون جزءًا مهمًا من النظام، لكن تفاصيل طبيعتها ما زالت محل بحث علمي.
--------------
ثالثًا... المجرات
داخل السحب الكونية بدأت الجاذبية تجمع المادة.
ومع الزمن ظهرت المجرات.
ثم بدأت تدور في نظام دقيق.
داخل كل مجرة نجد:
إرسال.
حركة.
انتشار.
تنظيم.
معلومات يحملها الضوء.
ثم ولادة نجوم جديدة.
----------
رابعًا... النجوم
النجم ليس كرة نار فقط.
إنه مصنع كوني للعناصر.
في قلبه تبدأ التفاعلات النووية.
ثم تنتشر الطاقة.
ثم تتكون عناصر جديدة.
ثم يقذفها في الفضاء عند موته.
ولولا هذه الدورة لما وجد الحديد في دمائنا، ولا الكالسيوم في عظامنا، ولا الأكسجين الذي نتنفسه.
فنحن، بالمعنى العلمي، نحمل في أجسادنا عناصر صُنعت داخل نجوم سبقت شمسنا.
-----------------
خامسًا... الشمس
كل ثانية ترسل الشمس عددًا هائلًا من الفوتونات.
وتطلق الرياح الشمسية.
وتبث الطاقة في أنحاء النظام الشمسي.
ثم تنشر الحرارة.
وتفصل المجالات المغناطيسية.
ويصل إلينا الضوء حاملاً معلومات عن تركيبها الكيميائي.
وبفضل هذه الدورة تستمر الحياة على الأرض.
-------------
سادسًا... الأرض
تستقبل الأرض الطاقة.
فتتحرك الرياح.
وتثور العواصف.
وتنتشر السحب.
وتتكون الأمطار.
وتتفجر الأنهار.
وتنبت النباتات.
ثم تبدأ دورة الحياة من جديد.
إنها سلسلة لا تنقطع منذ ملايين السنين.
---------------
سابعًا... الذرة
عندما ننزل إلى أصغر المقاييس، لا يختفي النمط.
بل يتكرر.
فالجسيمات تتفاعل.
وتنتقل الطاقة.
وتصدر الفوتونات.
وتتشكل الروابط الكيميائية.
وتنتقل المعلومات عبر الأطياف الذرية التي تسمح للعلماء بمعرفة تركيب المواد والنجوم.
-------------
ثامنًا... الحمض النووي
DNA
داخل كل خلية يوجد كتاب صغير.
ليس مكتوبًا بالحبر.
بل بأربع قواعد كيميائية فقط.
ومن هذه القواعد تُبنى أجسام جميع الكائنات الحية.
يرسل الـDNA تعليماته.
ثم تنسخ إلى RNA.
ثم تنتشر داخل الخلية.
ثم تُترجم إلى بروتينات.
ثم تتخصص الخلايا.
ثم يظهر الكائن الحي.
فالمعلومة هنا ليست فكرة مجردة، بل أساس البناء الحيوي.
-----------------
تاسعًا... الدماغ
ربما يكون الدماغ أوضح مثال على هذا النمط.
ترسل الخلايا العصبية الإشارات.
ثم تنتقل بسرعة هائلة.
ثم تنتشر عبر ملايين التشابكات.
ثم يميز الدماغ بينها.
ثم يحولها إلى إدراك.
ثم يتخذ القرار.
وهكذا، فإن كل فكرة، وكل ذكرى، وكل حركة تبدأ بسلسلة من الإشارات المنظمة.
----------------
عاشرًا... من الطفولة إلى الشيخوخة
ليس الكون وحده هو الذي يسير وفق هذا النمط، بل حتى الزمن داخل الإنسان يخضع لتسلسل يكاد يكون مطابقًا.
فالجنين يُرسل إلى الدنيا مولودًا، ثم تعصف به طاقة النمو، فتنتشر خلاياه وتتشعب شبكاته العصبية، ثم تبدأ مرحلة التمايز؛ فيميز بين الأصوات والوجوه والمعاني، ويزداد وعيه وخبرته، فتُلقى في ذاكرته الخبرات والذكريات عامًا بعد عام، حتى يبلغ تمام النضج.
ثم يبدأ الزمن في رسم مرحلته الأخيرة؛ تقل سرعة التجدد، وتضعف القوة، وتبهت الذاكرة، ويعود الإنسان تدريجيًا إلى حالة من الضعف تشبه بدايته، مصداقًا لقوله تعالى:
﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾
فحتى العمر الإنساني يمر بالدورة نفسها:
بداية ثم نمو ثم انتشار ثم تمايز ثم تراكم المعرفة ثم النتيجة المحتومة.
وكأن الزمن نفسه يعمل وفق السنن ذاتها التي تنتظم بها بقية أنظمة الخلق.
-----------
اخيرا ... التكاثر... من اللقاء إلى الميلاد
ولعل أوضح صور هذا النمط تظهر في بداية حياة كل إنسان.
تبدأ العملية بإرسال ملايين الحيوانات المنوية، تتحرك بقوة هائلة في رحلة تنافسية، ثم تنتشر داخل الجهاز التناسلي، ولا يصل إلى البويضة إلا واحد منها بعد عملية فرز وانتقاء دقيقة.
وبمجرد حدوث الإخصاب، تُلقى الشفرة الوراثية الجديدة؛ فيجتمع نصف الجينوم من الأب ونصفه من الأم، لتنشأ هوية وراثية لم تتكرر من قبل ولن تتكرر مرة أخرى بالطريقة نفسها.
ثم تبدأ الانقسامات الخلوية، وتتمايز الخلايا إلى قلب ودماغ وعظام وأعصاب، حتى يكتمل الجنين ويولد إنسانًا جديدًا.
وفي هذه الرحلة نرى النمط ذاته يتكرر مرة أخرى:
إرسال... حركة... انتشار... فرز... إلقاء المعلومات الوراثية... ثم ميلاد حياة جديدة.
وهكذا، من ولادة الكون إلى ولادة الإنسان، ومن نمو الدماغ إلى تعاقب الأجيال، تتكرر أمامنا البنية نفسها؛ وكأن سنن الله في الخلق، على اختلاف صورها، تحمل إيقاعًا واحدًا يتجلى في مستويات الوجود كافة، مع اختلاف الآليات والقوانين الخاصة بكل نظام.
-------------
هل هي مصادفة؟
كلما اتسع العلم، ازداد اكتشاف العلماء لأنماط متكررة في الطبيعة.
قد تختلف القوانين بين الذرة والمجرة، وبين الخلية والنجم، لكن كثيرًا من الأنظمة تمر بمراحل من:
بداية.
تفاعل.
انتشار.
تنظيم.
انتقال للمعلومات أو الآثار.
ثم نتيجة.
وهذا التشابه في الأنماط لا يعني أن جميع الظواهر متطابقة في آلياتها، لكنه يلفت الانتباه إلى أن الكون مليء ببنى متكررة على مستويات مختلفة.
---------
خاتمة: الملائكة... جنود هذا النظام الكوني
إذا كانت العلوم الحديثة قد كشفت أن الكون لا يقوم على الفوضى، بل على قوانين دقيقة تحفظ اتزانه، فإن القرآن يضيف بعدًا آخر لا يستطيع العلم التجريبي أن يحسمه، وهو البعد الغيبي.
فالقرآن لا يصف الكون على أنه آلة تعمل وحدها، بل على أنه ملكوت قائم بأمر الله، تجري فيه الأسباب وفق سننه، ويقوم على تنفيذه خلقٌ من خلقه، هم الملائكة.
وفي هذا السياق، يمكن أن نتأمل افتتاح سورة المرسلات، ثم نقارنه بافتتاح سورة الصافات:
﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾
ثم نقرأ قول الملائكة في سورة الصافات:
﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾
فهنا يعرّف القرآن الملائكة بأنهم مصطفون، قائمون بوظائفهم، لا يختل نظامهم، ولا يتجاوز أحدهم حدَّه، بل يعملون في طاعة كاملة لله.
وعند جمع هذه الآيات، يظهر تأمل يلفت النظر؛ فسلسلة الأفعال في سورتي المرسلات والصافات تبدو وكأنها تصف منظومة عمل متكاملة:
إرسال...
ثم حركة...
ثم نشر...
ثم تنظيم...
ثم إلقاء...
ثم تنفيذ.
وفي سورة الصافات:
صفوف...
ثم زجر وتنظيم...
ثم إلقاء للذكر.
وهذا التوازي لا يثبت أن المقصود هو الوصف العلمي للكون، لكنه ينسجم مع الصورة القرآنية العامة التي تجعل الملائكة جنودًا ينفذون أمر الله في الكون.
فالرياح تهب بأمره.
والمطر ينزل بأمره.
والحياة تبدأ بأمره.
والموت يقع بأمره.
والوحي ينزل بأمره.
والكون كله يسير وفق أمره.
إن القوانين التي يكتشفها الفيزيائي ليست منافسة للإرادة الإلهية، بل هي وصف للطريقة التي أجرى الله بها سننه في الخلق.
وإذا كان العلم يصف كيف تعمل الظواهر، فإن القرآن يجيب عن سؤال أعمق: لمن تخضع؟ وبأمر من تنتظم؟
ومن هنا يمكن النظر إلى الملائكة - في إطار هذا التأمل - على أنهم عبادٌ مكرمون، موكلون بما شاء الله من تدبير شؤون الكون، كلٌّ في وظيفته التي أقامه الله فيها، دون أن نحدد ما لم يحدده الوحي، ودون أن نزعم أن كل قوة فيزيائية هي مَلَك، أو أن كل ظاهرة طبيعية تُفسَّر مباشرة بالملائكة؛ فهذه أمور غيبية لم يفصلها النص.
وهكذا يلتقي مشهد السماء ومشهد الأرض في صورة واحدة؛ كونٌ بالغ الدقة، تسير سننه بانتظام، وتحكمه قوانين ثابتة، ويجري كل ذلك تحت سلطان الله، الذي قال:
﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾
فكل ذرة تسير في مدارها، وكل نجم يحفظ مساره، وكل خلية تؤدي وظيفتها، وكل نبضة في قلب الإنسان، وكل إشارة في دماغه، وكل فوتون يعبر الفضاء، إنما يقع داخل منظومة واحدة أودع الله فيها النظام، وأقام عليها من خلقه من ينفذ أمره، حتى يبقى الكون قائمًا على ميزان الحكمة، إلى أن يأتي اليوم الذي يأذن فيه سبحانه بانتهاء هذه المنظومة، فتطوى السماوات، وتتبدل الأرض، ويبدأ نظام آخر لا تحكمه قوانين الدنيا، بل وعد الله الحق: يوم الفصل.
المفكر والباحث كريم عشماوي
